هشام جعيط
7
تأسيس الغرب الإسلامي
التاريخية استهدفت الرقعة المغربية كتب أغلبها بالفرنسية وترجم البعض منها إلى العربية ، كما لدينا دراسات مكثّفة عن إسبانيا الإسلامية سواء بالفرنسية أو بالإسبانية وحتّى بالعربية . وعندما كتبت ونشرت مقالاتي عن المغرب زمن الفتح وبعد الفتح ، لم تكن كما ذكرت توجد دراسات معمّقة حول هذه الفترة . وحقيقة الأمر أنّ المصادر كانت شحيحة في هذا المضمار ، وكان يجب على المؤرّخ أن يقوم بإعمال الفكر وأن يستنبط ويستنتج وكذلك أن يقارن بما كان يجري في القرنين الأوّل والثاني في المشرق ، أي في المركز آنذاك . وقد أسعفني الحظّ إذ كنت أشتغل كثيرا على التاريخ الأموي والعبّاسي الأوّل بهدف إعداد رسالتي عن الكوفة . وكان هذا أساسيا حيث لم يكن بالإمكان أن يتناول المؤرّخ دراسة المؤسّسات الحكومية والاجتماعية من دون سابق معرفة بالتنظيمات العربية في المشرق ، شريطة أن يجد لذلك سندا في المصادر المغربية ولو بالإشارة الطفيفة . وهكذا أعتقد أنّ دراستي للمؤسّسات لا بد وأن تكون نافعة للمهتمّ بتاريخ المغرب خصّيصا ، كما للمهتمّ بالمؤسسات الإسلامية في البلاد المفتوحة بصفة عامّة . والتّاريخ - وهو علم الثقافة كما يقول ماكس فيبر مناقضة لعلوم الطبيعة - يتجه اليوم بالأساس إلى البحث في المؤسّسات والبنى الاقتصادية والاجتماعية والمعتقدات الدينية والنشاطات الثقافية بالمعنى الحصري ، من دون إهمال الدينامية السياسية ومن دون الإجحاف في التحليل التجريدي . هذا ما قمت به في هذا الكتاب ، وهذا ما قمت به في كتاب الفتنة وغيره من المؤلّفات . إنّ المستشرقين ومن بعدهم المسلمين نشروا الكثير من المصادر ، لكن لم يستغلّوها كما يجب في استقرائهم للتاريخ الإسلامي ، خصوصا في عهوده الأولى . ومن جملة الأسباب التي قدّموها أنّ المصادر التي لدينا لا يمكن الاعتماد عليها ، فهي إمّا بعيدة عن الفترات الأولى زمنيا وإمّا منحازة . لكنّ مثل هذه النّظرة تعطّل البحث العلمي الذي عليه مع ذلك أن يتسلّح بسلاح النقد الحصيف . إنّ المستشرقين قاموا بمجهودات